محمد جمال الدين القاسمي
236
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
[ التحريم : 1 ] . ثم قال : قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ [ التحريم : 2 ] . . الآية . وكذلك هنا . لما ذكر هذا الحكم عقبه بالآية المبينة لتكفير اليمين ، فدلّ على أنّ هذا منزل منزلة اليمين في اقتصاء التكفير . واللّه أعلم . وفي ( زاد المعاد ) لابن القيّم فصل مهمّ في حكم من حرم أمته أو زوجته أو متاعه . تنبغي مراجعته . الثالث : هذه الآية أصل في ترك التنطع والتشدّد في التعبّد - كذا في ( الإكليل ) . قال ابن جرير : لا يجوز لأحد من المسلمين تحريم شيء ، ممّا أحلّ اللّه لعباده المؤمنين ، على نفسه من طيبات المطاعم والملابس والمناكح ، ولذلك ردّ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم التبتّل على عثمان بن مظعون . فثبت أنه لا فضل في ترك شيء مما أحلّه اللّه لعباده . وأن الفضل والبرّ إنما هو في فعل ما ندب اللّه إليه عباده ، وعمل به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وسنه لأمته ، واتبعه على منهاجه الأئمة الراشدون . إذ كان خير الهدى هدى نبيّنا محمد صلى اللّه عليه وسلم . . فإذا كان ذلك كذلك تبيّن خطأ من آثر لباس الشعر والصوف على لباس القطن والكتان ، إذا قدر على لباس ذلك من حله . وآثر أكل الخشن من الطعام وترك اللحم وغيره حذرا من عارض الحاجة إلى النساء . . قال : فإن ظنّ ظان أن الفضل في غير الذي قلنا - لما في لباس الخشن وأكله من المشقة على النفس وصرف ما فضل منهما من القيمة إلى أهل الحاجة - فقد ظنّ خطأ . وذلك أن الأولى بالإنسان صلاح نفسه وعونه لها على طاعة ربّها ، ولا شيء أضر على الجسم من المطاعم الرديئة . لأنها مفسدة لعقله ومضعفة لأدواته التي جعلها اللّه سببا إلى طاعته . . انتهى . وللرازيّ هنا مبحث جيّد في حكمة هذا النهي . مؤيد لما ذكر . فليراجع فإنه نفيس . و قد أخرج الترمذيّ « 1 » عن عائشة قالت : كان رسول اللّه يحب الحلواء والعسل . و له « 2 » عن أبي هريرة قال : أتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بلحم فرفع إليه الذراع - وكانت تعجبه - فنهش منها . قالت « 3 » عائشة : ما كان الذراع أحبّ إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولكن كان لا يجد اللحم إلّا غبّا ، وكان يعجل إليه الذراع لأنه أعجلها نضجا . أخرجه الترمذيّ .
--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في : الأطعمة ، 29 - باب ما جاء في حب النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم الحلواء والعسل . ( 2 ) أخرجه الترمذي في : الأطعمة ، 34 - باب ما جاء في أي اللحم كان أحبّ إلى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم . ( 3 ) أخرجه الترمذي في : الأطعمة ، 34 - باب ما جاء في أي اللحم كان أحبّ إلى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم .